حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
21
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
على تقدير سؤال سائل كأنه قيل : ما ذا قال نوح حينئذ ؟ ويحتمل أن يكون سَخِرُوا بدلا من مَرَّ أو صفة ل مَلَأٌ و قالَ جواب قيل كانوا يقولون : يا نوح كنت نبيا فصرت نجارا ، ولو كنت صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق . وقيل : إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون . وقيل : إنها كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب الجنون . وقيل : طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذبا فيسخرون منه فأجابهم بقوله : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا في الحال فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ في المستقبل إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة ، أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط اللّه ، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل بحقيقة الأمر . والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار . وسمي جزاء السخرية سخرية كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ثم هددهم بقوله : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ في الدنيا وهو عذاب الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم . و « من » موصولة أو استفهامية وقد مر في « الأنعام » . روي أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين ، وكانت من خشب الساج ، وجعل لها ثلاثة بطون : الأسفل للوحوش والسباع والهوام ، والأوسط للدواب والأنعام ، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل معه جسد آدم . وقال الحسن : كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة . قوله : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا هي غاية لقوله : وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ أي كان يصنعها إلى أن جاء وقت الأمر بالإهلاك . وَفارَ التَّنُّورُ أي نبع الماء منه بشدة وسرعة تشبيها بغليان القدر . والتنور هي التي يختبز فيها فقيل : هو مما استوى فيه العربي والعجمي . وقيل : معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء . عن ابن عباس والحسن ومجاهد : هو تنور نوح . وقيل : كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية الكوفة قاله مجاهد والشعبي . وعن علي رضي اللّه عنه أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبيا . وقيل : بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل . وقيل : بالهند . روي أن امرأته كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع الأشياء في السفينة وكان اللّه تعالى جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان . ويروى عن علي رضي اللّه عنه